ابن الأثير

139

أسد الغابة ( دار الفكر )

وروى هشيم ، عن مغيرة ، عن قطن بن عبد اللَّه قال : رأيت ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة فإذا كان عند إفطاره من الليلة المقبلة يدعو بقدح ، ثم يدعو بقعب من سنن ، ثم يأمر فيحلب عليه ، ثم يدعو بشيء من صبر فيذره عليه ، ثم يشربه ، فأما اللبن فيعصمه ، وأما السمن فيقطع عنه العطش ، وأما الصّبر فيفتح أمعاءه . أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن الطبري بإسناده إلى أبى يعلى الموصلي قال : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عجلان ، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير ، عن أبيه قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا قعد في التشهد قال هكذا [ ( 1 ) ] - وضع يحيى يده اليمنى على فخذه اليمنى ، واليسرى على فخذه اليسرى - وأشار بالسبابة معا ولم يجاوز بصره إشارته [ ( 2 ) ] . وغزا عبد اللَّه بن الزبير إفريقية مع عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح ، فأتاهم جرجير ملك إفريقية في مائة ألف وعشرين ألفا ، وكان المسلمون في عشرين ألفا ، فسقط في أيديهم ، فنظر عبد اللَّه فرأى جرجير وقد خرج من عسكره ، فأخذ معه جماعة من المسلمين وقصده فقتله ، ثم ثم كان الفتح على يده [ ( 3 ) ] . وشهد الجمل مع أبيه الزبير مقاتلا لعلى ، فكان على يقول : ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ له عبد اللَّه [ ( 4 ) ] وامتنع من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت أبيه معاوية ، فأرسل إليه يزيد مسلم بن عقبة المرّي فحصر المدينة ، وأوقع بأهلها وقعة الحرّة المشهورة . ثم سار إلى مكة ليقاتل ابن الزبير ، فمات في الطريق ، فاستخلف الحصين بن نمير السّكونى على الجيش ، فصار الحصين وحصر ابن الزبير بمكة لأربع بقين من المحرم من سنة أربع وستين ، فأقام عليه محاصرا ، وفي هذا الحصر احترقت الكعبة ، واحترق فيها قرنا الكبش الّذي فدى به إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى اللَّه عليهما وسلم ، ودام الحصر إلى أن مات يزيد ، منتصف ربيع الأول من السنة ، فدعاه الحصين ليبايعه ويخرج معه إلى الشام ، ويهدر الدماء التي بينهما ممن قتل بمكة والمدينة في وقعة الحرة ، فلم يجبه ابن الزبير وقال : لا أهدر الدماء . فقال الحصين : قبّح اللَّه من يعدّك داهيا أو أريبا ، أدعوك إلى الخلافة وتدعونني إلى القتل ! ! .

--> [ ( 1 ) ] قال هكذا : يعنى أشار هكذا . [ ( 2 ) ] الحديث رواه أحمد في المسند ، عن يحيى بن سعيد بإسناده ، نحوه : 4 / 3 . [ ( 3 ) ] ينظر كتاب نسب قريش : 237 . [ ( 4 ) ] نهج البلاغة : 424 ، بتحقيقنا .